حول معركة اﻹصلاح الديني

إرتكب العديد من المفكرين الحداثيين المعاصرين في المنطقة العربية أخطاء جسيمة عندما أهملوا المعطى الديني الموروث و مركزين بالمقابل على التعريف بمفاهيم الحداثة من عقلانية و حرية و تقدم كما تم بناؤها داخل التربة الغربية..
هذا اﻹهمال كانت ضريبته غالية الثمن ذلك أن المنظومة الدينية سقطت بين أيادي حولتها إلى سلاح خطير يرفض كل أشكال التحديث الفكري و الاجتماعي و السياسي و حتى اﻹقتصادي.. يمكن تقسيم هؤلاء إلى فئتين رئيسيتين:
-رجال السياسة : و هم المستفيد اﻷكبر من خلال استثمار العنصر الديني لبناء مشروعية مزيفة لحكمهم المستبد المطلق عبر ما يسمى بمقولة الحق اﻹلهي التي لا تخفى خرافيتها اليوم إلى أبعد الحدود.. و ما يساهم بشكل فعال في نجاح هذا المشروع السياسي الديني هم غالبية فقهاء الدين الذين يفسرون النص الديني على هوى الحاكم لا بمنطق الحق و العقل..
-عامة الناس: و هم الفئة التي تختزل المنظومة الدينية في عادات و تقاليد تصبح بقوة التكرار مقدسة لديهم و تضعف بالمقابل كل أشكال التفكير النقدي و العقلاني، و هو ما يتيح صناعة عقول ساذجة و طيعة يسهل السيطرة عليها و تخويفها.
لقد تقوت و تعززت مكانة و حجم الفئتين السابقتين ليس فقط نتيجة عوامل ذاتية و تاريخية، بل إنما أيضا نتيجة عدم إدراج معركة اﻹصلاح الديني ضمن أولويات العديد من المفكرين التنويريين المعاصرين في المنطقة العربية.
و كنتيجة لذلك بدا المشروع الحداثي معزول الموقع، محدود الثأثير و ضعيف الفعالية، بل إنه ظهر ربما كعنصر غريب دخيل على مجتمعات يحضر فيها ثقل التاريخ و الموروث الديني بقوة.
يبدو أن المشروع التنويري في المنطقة العربية خصوصا في بداياته لم يستلهم وصية الفيلسوف العربي المسلم إبن رشد و التي مفادها أن النص الديني لا ينبغي أن يفسر إلا من طرف الفلاسفة و العقلانيين و البرهانيين وفق قاعدة”إذا خالف النص الديني العقل وجب تأويله” ، و بناء على هذه القاعدة الفقهية الهامة فهؤلاء يمتلكون اﻷدوات العقلية و المنهجية التي تمكنهم من إدراك باطن اللفظ و ليس فقط ظاهره…
يبدو أن هذه الوصية الرشدية المقدمة في القرن12 لم تجد الصدى الجيد لها في الفكر العربي المعاصر رغم بعض المحاولات المتميزة( مشروع اﻷستاذ محمد عابد الجابري مثلا).. لذلك قد لا نبالغ عندما نقول أن اﻹنحطاط و التأخر العلمي و السياسي و اﻹقتصادي الذي تشهده اليوم المجتمعات بالمنطقة العربية اﻹسلامية من بين اهم عوامله هو إهمال معركة اﻹصلاح الديني بشكل عام و تهميش الوصية الرشدية السالفة الذكر على وجه التحديد..
اﻷسئلة العريضة التي يمكن طرحها بهذا الصدد كثيرة و منها : إلى متى سيبقى النص الديني الموروث حكرا على الغوغاء من سياسيين نصابيين و فقهاء محتالين؟ ألسنا اليوم في حاجة ملحة إلى مفكرين دينيين تنويريين يقدمون قراءات حداثية للنصوص الدينية و يقودون مجتمعاتنا الى المصالحة مع تاريخهم و مع القيم التنويرية التي بفضلها تقدمت علينا بقية الشعوب؟

قد يعجبك ايضا المزيد في نفس التصنيف