مرافعة من اجل حرية المعتقد

 

 

تعتبر فكرة وضع دستور، تجسيدا للتعاقد الاجتماعي الذي هو مجموعة قواعد قانونية ، تنظم العلاقة بين الحاكم و المحكوم من خلال تحديد شكل الحكم و السلطات،  و ما يمكن تسميته الخطوط العريضة للدولة ، أهمها تحديد هوية الدولة هذه الهوية التي لا يمكن تحديدها بتقوقع الدولة على ذاتها بل بإمتتالها للمنظومة العالمية لحقوق الإنسان،  فلا يمكن الحديث عن دولة بدون احترام حقوق الإنسان فالأخيرة أصبحت مقوم من مقومات الدولة الحديثة.

الحديث عن حقوق الإنسان يجرنا للحديث عن الحريات و ممارستها، التي غالبا تشكل حدودها البؤرة التي تؤدي إلى خروقات من طرف الدول، نتيجة التهرب من حمايتها بالقوانين الوطنية أو التجاوز و الإعلان عن ” إعدام ” الحرية،  الدول الدينية نموذجا ، حيت لا مجال للحديث عن الحريات ،خصوصا منها حرية المعتقد لكن في دول عرفت حراكا شعبيا الأمر عرف نقاشا قانونيا .

أكتر الحريات اتار التنصيص عليها في الدستور جدلا ، و التي لا يمكن اعتبارها منبع الحريات  فقط بل مطلبا تنمويا ، فلا سبيل لبناء مجتمع مبدع في الصحافة ، في الفن ، في كل مجالات الحياة دون الحرية في المعتقد ، هذه الحرية المحددة بموجب العهد الدولي للحقوق السياسية و المدنية من خلال المادة  19 ، ترد عليها بعض القيود ،و التي لا تتجاوز الحد الذي يجعل القيد أوسع من ممارسة الحرية ،فلا توجد أي حرية دون قيد إلا حرية الفوضى و الضابط هنا هو القانون ، القانون كضابط لسلوك الأفراد داخل أي مجتمع

فكيف نجعل قانون رجعي في صف الحرية ؟

كما سبق ذكر ذلك فالقوانين الوطنية لابد و أن تتماشى و المنظومة الدولية لحقوق الإنسان ، باعتبار المغرب منخرط في العديد منها ، أبرزها العهد الدولي للحقوق المدنية و السياسية ، الذي ينص في المادة 19 منه على حرية الفكر و الوجدان و المعتقد ، مصادقة المغرب على هذا النص يفهم منه أن النصوص القانونية الوطنية لن تكون غير ذلك ، لكن المقتضيات المتقدمة لدستور 2011 فيما يتعلق بدسترة الحقوق و الحريات الأساسية و تعزيز حمايتها ، لم تشمل حرية المعتقد ،ربما نتيجة الضغط الذي مارسه التيار المحافظ للحيلولة دون دسترة حرية المعتقد من خلال نص واضح ، بل جاءت نصوص تتحدث عن حرية ممارسة الشعائر الدينية ، الفصل 3 من دستور 2011 ،او حرية الفكر من خلال الفصل 25 ،غير أن عدم التنصيص على حرية ما في الدستور ،لا يعني معاقبة من يمارسها ، فالدستور ليس قانون عقوبات ، كما أن  الكثير من الحريات غير محددة بموجب الدستور ، لكنها ليست مجرمة .

 أخيرا التأويل القيمي، أي الرجوع إلى القيم المؤسسة للنص الدستوري ، و هنا مربط الفرس حيث التأويل و التقنية الممكنة لانتزاع حرية المعتقد .

غير أن التضييق على حرية المعتقد مجرم بطريقة سلبية من خلال القانون الجنائي،  فإن كان منطوق الفصل 220 من القانون الجنائي يمنع أعمال العنف و التهديد لإجبار أحدهم على ممارسة عبادة معينة،  ألا يمكن اعتبار المسلم الذي يمنع الآخرين من الإفطار في رمضان هو في العمق إجبار على الصيام،  و بالتالي عند واقعة المجاهرة بالإفطار العلني في مكان عمومي،  المعاقب عليها بموجب الفصل 222 من القانون الجنائي،  تستوجب معاقبة المعتديين على المفطر بالفصل 220،  لإجبار غيرهم على ممارسة شعائر دينية ” الصيام ” إضافة إلى الضرب أو الجرح أو ما تم اقترافه ،  هذا إذ ما اعتمدنا النصوص القانونية الجاري بها العمل،  أما مبدئيا يجب العودة إلى النقاش القانوني الأصلي، حول مدى ملائمة الدستور و كل التشريعات الوطنية للمنظومة الدولية للحقوق و الحريات، نقاش تنتصر فيه الدولة حيت أنها إلتزمت بسمو المواثيق الدولية على التشريعات الوطنية دون الدستور، و سمو الدستور على القوانين الوطنية احتراما لتسلسل القوانين ،أما المحكمة الدستورية مسارها لن يصل إلى” تغيير الدستور .

لكن بالعودة إلى تقنيات قراءة النص الدستوري ،و التي يتم من خلالها تأويل النصوص الدستورية ، بحيث يتم تصنيف الحقوق و الحريات إلى تلك المكرسة دستوريا، و المنظمة بموجب القانون عند تطبيق الدستور، و ليس بأي شكل آخر ،و تلك المتعلقة بإلتزام السلطات العمومية بوضع الشروط التي تضمن الحق و الحرية و ممارستها، الحديث هنا عن هدف ذي قيمة دستورية ،تم التأويل الثالث و الذي يأخذ بعين الاعتبار الغاية، كالنصوص التي يتم من خلالها التنصيص على إنشاء مؤسسات أو هيئات من أجل الحصول على هذا الحق أو الحرية، كذلك التأويل النسقي و الذي يشترط لقراءة النص الدستوري تحليل علاقته بباقي مقتضيات الدستور ،أي قراءة النصوص الدستورية في اجماليتها و الترابط بينها كالنقاش الذي حدت مؤخرا حول الفصل 47 و أزمة تأويله ،فهناك من ذهب في تأويله للتحليل النسقي باستحضار نصوص دستورية أخرى، أو كما هو الشأن في الفصل 1 و 6 من الدستوري التونسي حيت التنصيص أن الإسلام دين الدولة، و في النص التاني التنصيص على مدنية الدولة التونسية ،مما ينفي تأويل الفصل الأول إلى الحديث عن مفهوم الدولة الدينية.

أخيرا التأويل القيمي، أي الرجوع إلى القيم المؤسسة للنص الدستوري ، و هنا مربط الفرس حيث التأويل و التقنية الممكنة لانتزاع حرية المعتقد .

التأويل القيمي يعني قراءة النص الدستوري و استشفاف القيمة التي يسعى من ورائها المشرع في وضعه للنص، فإن كان المشرع المغربي يقصد من خلال الفصل الثالث  للدستور الحرية ، و هدفه الحرية كقيمة ، فباعتماد التأويل القيمي طبعا يمكن اعتبار الفصل 3 من الدستور و الفصل 220 من القانون الجنائي  ضامن لحرية المعتقد بشكل من الأشكال ، في انتظار نص أكتر وضوحا و مجتمع أكتر تقبلا للاختلاف .

اشرف بولمقوس : طالب باحث في العلوم السياسية

قد يعجبك ايضا المزيد في نفس التصنيف