كثيرون حول السلطة قليلون حول الوطن

إن حب الوطن ليس مجرد لفظة تلوكها ألسنة السياسيين في خطابات متقادمة، بل هو شعور يسري في نفوس من تمكنوا من تجاوز سقف الهرولة وراء المصالح الشخصية إلى العمل من أجل خدمة الصالح العام 

كشف نمط تفاعل بعض الناس مع حراك الريف المغربي عن خلل كبير في تمثلهم لمفهوم حب الوطن، فخلال الأشهر
 الماضية التي شهدت مظاهرات مازالت مستمرة إلى اليوم، حاولت وجوه إعلامية معروفة ووسائل إعلام وطنية من قنوات تلفزية وإذاعية وجرائد ورقية و إلكترونية ،جاهدة الإساءة لهذا الحراك من خلال تقديم المتظاهرين كانفصاليين و خونة للوطن، لينصبوا أنفسهم أربابا للوطن وحماة له، تماما كما لو كان من يطالبون بالحد الأدنى من حقهم في العيش الكريم أعدءا للوطن! دعونا نتخد من الحراك الشعبي الذي يعرفه المغرب في الوقت الحالي توطئة لتسليط الضوء عن بعض الدلالات التي يكتنزها مفهوم الوطنية .
إن حب الوطن ليس مجرد لفظة تلوكها ألسنة السياسيين في خطابات متقادمة، بل هو شعور يسري في نفوس من تمكنوا من تجاوز سقف الهرولة وراء المصالح الشخصية إلى العمل من أجل خدمة الصالح العام، على اختلاف مواضعنا في الخارطة المجتمعية..وبقدر ما تفرض علينا قيمة الوطنية  المثابرة  لخدمة الوطن بإخلاص وحب، بقدر ما يحق لنا أن نسائل الوطن عما إن كان يشفق علينا فيحبنا أم لا.
إن أولئك الذين يحاولون تبرير الفشل في تدبير القطاعات الحيوية في المغرب، ظنا منهم أنهم يمارسون شيئا من المواطنة هم واهمون، و ليس ثمة أكثر سوءا من أن يكذب المرء على نفسه، فمعضلة سوء التسيير و التدبير واضحة و محاولة إنكارها فيها إساءة لمعاني الوطنية التي تقتضي حتمية كشف مواطن الخلل لا إخفاءها ..لذلك لا يحسبن- من يهاجم مطالب الناس في خدمة طبية محترمة وظروف تمدرس ملائمة و منتوج إعلامي جيد و نقل عمومي مناسب و ظروف عمل إنسانية وغيرها من الحاجات التي هي من صميم الكرامة الإنسانية- لا يحسبن نفسه يدافع عن الوطن بل إنه العدو الأول للوطن لأنه لا يبتغي صلاحه .
إن الوطنية الصادقة هي تلك التي تغذينا لنتساءل عن سر تخلف نظامنا التربوي، وعن ذنب أطفال البوادي في قطع
 عشرات الأميال، للوصول إلى قاعات الدرس التي إن لم تكن بنيتها المعمارية مهترئة فإن الإهتراء قد غزى محتواها ومضمونها..وليس تبرير الإخفاقات وسب من ينتقدونها و تلميع صورة المسؤولين الفاشلين من الوطنية في شيئ، هذا إن لم نقل إن كل ذلك من أسمى مظاهر معاداة الوطن أو الإساءة إليه على الأقل.
من الوطنية أيضا ألا يخجل المرء من تصفح صفحات تاريخ وطنه، فيتعلم منها وينهل من دروسها، ومن التاريخ المغربي ما صنعه أهل الريف من ملاحم ضد الإحتلال الإسباني، وماعانوه وهم يكابدون من أجل استقلال وطنهم وقد حصل أن قصفوا دون غيرهم بالسلاح الكيماوي، حتى إن اثار هذا القصف مازالت حاضرة ، ولما يخرج الريفيون للمطالبة بحقهم في التطبيب، يخرج عليك من يخونهم و يشتمهم رغم ماقدموه من تضحيات في سبيل الوطن.
إن الوطنية الحقيقية تقتضي مساءلة من أوصلوا واقع قطاعات التعليم والصحة والإعلام و القضاء والإدارة العمومية إلى ماهو عليه الحال اليوم، ومن لم  يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون ، خسروا حبهم لوطنهم بعد أن توهموا أن حبه لا يتم إلا بالتطبيل و التصفيق، في غياب أي مساءلة نقدية حقيقية تضع تحت المجهر ربط المسؤولية بالمحاسبة،  ألم يعلموا أن المغاربة لا يخرجون إلى الشارع إلا بعد أن تكون الأمور قد ساءت و السيل قد بلغ الزبى! فمن المسؤول عما يحدث؟ وأين المحاسبة ..؟
إن النخب السياسية و الحقوقية و الفكرية و الوجوه الإعلامية التي تكتفي بالمشاهدة و السكوت، وهي تتابع بأم أعينها حجم الحيف الذي يطال ساكنة الريف بعد مهاجمتهم ممن سقطوا في فخ سوء فهم حب الوطن، هذه النخب البالية المتقادمة عليها أن تعي أنها أكبر من يسيئ إلى هذا الوطن، حينما تعجز عن تسمية الأمور بمسمياتها فتصيرعديمة القيمة والأثر على المجتمع.
يبقى واجبا أن نذكر بعض المغيبين، أنه من السذاجة الفكرية التي تدعونا إلى الشفقة عليهم، اختزال الوطن في أشخاص،  في أغان و شعارات، في مشاريع وثروات.. أتدرون ما الوطن؟ الوطن كما دونت ذلك الأستاذة القديرة فاطمة الافريقي  “هو أنت وأنا والآخرون حين نتعايش مختلفين ونتنفس الحرية.
سيحين يوم يخرج فيه من يشيطنون حراك الريف، ومن يشككون في وطنية “روافة”، سيخرجون لا للمطالبة بجودة تعليمية أرفع ولا بخدمة صحية أرقى، سيخرجون للمطالبة بكسرة خبزحاف سرقها منهم جهرا من طبلوا لهم يوما، ظنا منهم أنهم يمارسون مواطنة أو وطنية ..أخطئوا حين ربطوا الوطنية ببضعة أشخاص كانوا كثيرين حول السلطة قليلين حول الوطن

 

قد يعجبك ايضا المزيد في نفس التصنيف