في تسفيه درس الفلسفة – كتاب منار التربية الإسلامية نموذجا-

 

 

 

  إن تسفيه درس الفلسفة هو تسفيه لمنظومة المدرسة المغربية الحديثة وتسفيه لكل الدروس والمواد المدرسة التي لا تخلو من حضور الفلسفة والفلاسفة، على اعتبار أن الفلسفة والفلاسفة ليسوا ملكية خاصة للدرس الفلسفي، لا لشيء فقط لأن الفلسفة أم العلوم

بالرغم من أن الميثاق الوطني للتربية والتكوين ينص في مبادئه ومرتكزاته على تكوين “مواطنين” متسمين ب: “حب الوطن”، وواعين ” أتم الوعي بواجباتهم وحقوقهم” متشبعين ” بروح الحوار، وقبول الاختلاف وتبني الممارسة الديمقراطية في ظل دولة الحق والقانون”، و امتلاك ” ناصية العلوم والتكنولوجيا المتقدمة”، وجعل المجتمع المغربي يتفاعل مع “الوفاء للأصالة والتطلع الدائم للمعاصرة” في “تفتح دائم على معطيات الحضارة الإنسانية العصرية وما فيها من آليات وأنظمة تكرس حقوق الإنسان وتدعم كرامته”، إلا أن الكتاب المدرسي “منار التربية الاسلامية” كانت له مبادئ ومرتكزات أخرى تنبني على مصادرة مفضوحة لحق التلميذ في الفلسفة والتفلسف، في الفكر والتفكير، في الحوار والتحاور، في حق الاختلاف وقبوله، في التشبع بقيم الديمقراطية وممارستها، في الوفاء للأصل والانفتاح على العصر بزخمه الحضاري و العلمي والتقني…مصادرة تنم عن ايديولوجية ضيقة و دوغمائية مفرطة وغياب للمسؤولية التربوية والمهنية والأخلاقية والبيداغوجية ويظهر هذا جليا من خلال العناصر التالية:

عدم احترام الكتاب لمبادئ الميثاق وتوجهاته التربوية والقيمية خاصة الجانب المتعلق بالتربية على قيم التسامح و المواطنة و تقبل الاختلاف واحترام حقوق الإنسان…ما يمكن اعتباره خرقا للأطر المرجعية الوطنية (الدستور) والتربوية (الميثاق والمنهاج والتوجيهات التربوية) الملزمة والمنظمة للعملية التربوية التي تتغيا تربية الناشئة على قيم التسامح والانفتاح لا على الانغلاق ونبذ المختلف وتسفيه فكره ومهاجمته…

عدم احترام الوزارة  الوصية لدورها المتمثل في السهر على احترام مبادئ الميثاق ومرتكزاته  وتنزيلها تنزيلا حسنا، وعدم احترامها وتحملها لمسؤولية هذا الدور المنوط بها يمكن قراءته وفقا لمنطقين:

المنطق الأول هو أن الجهة المسؤولة  في الوزارة الوصية، عن تتبع ومراقبة المقررات الدراسية متواطئة وتسير في اتجاه مهاجمة الفكر النقدي وتسفيه الدرس الفلسفي بتغاض ولامبالاة مقصودة تحركها توجهات ايديولوجية  سلفية ومتطرفة .

أو المنطق الثاني المتمثل في تقصير مفرط في تتبع ومراقبة الجهة المسؤولة لمواصفات وتوجهات ومضامين المقررات الدراسية ومدى مطابقتها لفلسفة الأطر المرجعية الوطنية والتربوية.

في كلا المنطقين، مسؤولية وزارة التربية الوطنية مسؤولية  واضحة و جسيمة فيها اخلال بالواجب الوطني والتربوي والمهني.

إن تسفيه درس الفلسفة هو تسفيه لمنظومة المدرسة المغربية الحديثة وتسفيه لكل الدروس والمواد المدرسة التي لا تخلو من حضور الفلسفة والفلاسفة، على اعتبار أن الفلسفة والفلاسفة ليسوا ملكية خاصة للدرس الفلسفي، لا لشيء فقط لأن الفلسفة أم العلوم؛ إذ لا يمكن الحديث عن درس الرياضيات أو الفيزياء أو علوم الحياة والأرض أو الاٌداب أوالتاريخ أو اللغات…دون الحديث عن طاليس وفيتاغورس وديكارت وجاليليو وفولتير وباسكال ونيوتن واينشتاين ودوسوسير…وغيرهم، مثلما لا يمكن لدرس التربية الاسلامية أن يستقيم دون الحديث عن الكندي والفارابي وابن سينا وابن رشد…وغيرهم.

أن تأليف الكتب المدرسية مهمة وطنية وتربوية جسيمة، لا ينبغي أن تخضع للعشوائية والاعتباطية بل هي مهمة لها ضوابطها وأطرها المرجعية التي تنظمها وتجعلها بعيدة عن مزاجية الأهواء الإيديولوجية، التي تجعل من المدرسة مجرد ورشة للتضارب والصراع الإيديولوجي عوض أن تجسد التعاقدات التربوية والبيداغوجية كما هو منصوص عليها في مبادئ الميثاق الوطني ومرتكزاته.

إن ما يمكن أن يطمئن الدرس الفلسفي من جهة، ويمكن أن يثير في نفس الاٌن حفيظة مؤلفي كتاب “منار التربية الإسلامية” من جهة أخرى، هو أن الفلسفة عبر تاريخها تلقت هجمات شرسة وعنيفة من طرف حملة الفكر الدوغمائي والوثوقي بشكل عام، ورجال الدين بشكل خاص، هجمات بلغت حد التهديد والنفي(ابن رشد) والاعتداء(سبينوزا) والقتل(سقراط) والحرق(جوردانو برونو)…بلغت حد قول دينيس ديدرو:” لم يحدث أن قتل رجل فلسفة رجل دين، ولكن رجال الدين قتلوا الكثير من الفلاسفة”. هجمات تعكس من جهة و بالنسبة لمن يشنونها، بؤس الخطاب وعنف الفعل وهوس السلطة والثروة وفقدان الشرعية، ومن جهة أخرى تعكس تاريخيا توهج ووجاهة الفلسفة بوصفها فكر نقدي بناء ومبدع، فكر أخلاقي وإنساني وكوني، فكر اكتسب مناعة تاريخية ضد هذا النوع من الهجمات .

لهذا فإن أي دعوة لمراجعة كتاب “منار التربية الاسلامية ” هي دعوة وطنية وتربوية وبيداغوجية ملزمة وملتزمة بمبادئ الأطر المرجعية الوطنية وفلسفتها وبخصائص ومواصفات المدرسة الحديثة .

 

محمد لهبوب /أستاذ مادة الفلسفة/السنة الثالثة دكتوراه بكلية علوم التربية.

 

قد يعجبك ايضا المزيد في نفس التصنيف