مفاوضات تشكيل الحكومة في المغرب،أية قراءة ممكنة؟

يشهد الحقل السياسي المغربي في الظرفية الراهنة، مجموعة من التحولات والمتغيرات السياسية على مستوى الممارسة السياسية، والتي قد تؤسس لفعل وسلوك سياسي جديد، للنخب الحزبية، خصوصا في المسائل المرتبطة بالتحالف الحكومي في نسخته الثانية بعد التعديلات الدستورية لسنة 2011، والتي فرضتها ظرفية جديدة تقتضي الإرتقاء بالعمل السياسي والحزبي إلى مستوى متطلبات المرحلة، والمؤطرة بمقاربات إحترام المنهجية الديموقراطية وشرعية صناديق الإقتراع.
إن المتغيرات اللحظية الطارئة على الفعل السياسي الحزبي بالمغرب، يمكن تلقفها من خلال العملية التفاوضية بين الأحزاب السياسية المغربية الموافقة على المشاركة في التحالف الحكومي، للخروج بمولود حكومي جديد (إئتلاف حزبي)، وما صاحبه من بروز لمصطلحات سياسية جديدة ذات صبغة سياسية إيديولوجية بالخصوص، تحاول التأثير على مسار العملية التفاوضية بين النخب الحزبية أو محاولة توجيهها وحسمها بسرعة، من قبيل مصطلح “البلوكاج الحكومي” و”التحكم” و”الأخونة”. إن بروز هذه المصطلحات يوحي بوجود حيوية وديناميكية في الفعل السياسي والحزبي من جهة ومن جهة أخرى هي مؤشر على وجود نسبة من التنافس السياسي بين الأقطاب السياسية في عملية التفاوض الحكومي، وحضور للعامل الإيديولوجي في الصراع السياسي بين النخب الحزبية.
والجدير بالذكر في هذا الإطار أن عملية التفاوض في الأدبيات السياسية هي نظرية أكاديمية يعمل بها في حقل العلاقات الدولية وأيضا في حقل العلوم السياسية، وتساعد على فهم العملية التفاوضية وأيضا مسارها بعيدا عن المسائل الإيديولوجية والسياسية المدغدغة للعواطف والمشاعر، والتي قد تؤدي وظيفة تعتيم المشهد السياسي وإضفاء الضبابية حول العديد من الظواهر السياسية التي لا تحتاج إلى جهد كبير لتفسيرها وفهمها.
وبالتالي فإن أي فهم للعملية التفاوضية الجارية حاليا بين النخب الحزبية المغربية حول التشكيلة الحكومية المقبلة، يفترض بدرجة أولى وقصوى التسلح بالمعطى الأكاديمي للفهم، ويتمثل هذا المعطى في تقنيات التفاوض التي تنقسم بين التقنيات الكلاسيكية وتقنيات التفاوض المنظم، هذه الأخيرة تخضع لمجموعة من المعايير والمراحل التي تتيح للمتبع فهم الظاهرة ومعرفة شكل العملية التفاوضية ومسارها ونتائجها، بعيدا وبشكل مكرر عن المفاهيم السياسوية الضيقة والمختزلة.
وبقراءة سريعة للعملية التفاوضية الجارية بين حزب العدالة والتنمية الذي يقود رئاسة الحكومة المرتقبة بالتعيين، وبين باقي الأحزاب السياسية المغربية الموافقة على المشاركة في الإئتلاف الحكومي، يتضح الأتي:
أولا: أن العملية التفاوضية محصورة بالدرجة الأولى بين النخب الحزبية القيادية للأحزاب السياسية المهتمة بالدخول في التشكيل الحكومي. وغياب شبه تام للقواعد الجماهيرية للأحزاب في المشاركة في المطالب الحزبية والشروط للإنضمام للتحالف.
ثانيا: أن العملية التفاوضية تجري على مستوى المناصب الوزارية – تقسيم الحقائب الوزارية، وليس على مستوى البرنامج الحكومي المقبل.
ثالثا: أن العملية التفاوضية قد أخذت وقتا مهما وطويلا خصوصا بين حزبي العدالة والتنمية وحزب التجمع الوطني للأحرار من جهة، وبين حزب التجمع الوطني للأحرار وحزب الإتحاد الإشتراكي للقوات الشعبية من جهة أخرى. ولم تأخذ نفس الوقت مع حزب الإستقلال وحزب الحركة الشعبية.
رابعا: غياب المرونة في الشروط الحزبية للمشاركة في التحالف، خصوصا حزب التجمع الوطني للأحرار وحزب الإتحاد الإشتراكي للقوات الشعبية، وهو ما يغيب مفاهيم التفاوض المنظم.
خامسا: ربط التحقيق التام للشروط بالمشاركة في الحكومة، كنوع من التهديد السياسي بالانسحاب، يجعل العملية التفاوضية تخضع لمعيار الطرف الواحد المنتصر، وهو ما سيعيق عملية التدبير الحكومي المتناسق بعد تشكيل الحكومة وأيضا سيغيب نجاعة الفعل الحكومي.
سادسا: شخصنة المفاوضات خصوصا بين حزبي العدالة والتنمية وحزب الإتحاد الإشتراكي للقوات الشعبية، بعد تصريحات الأمين العام لحزب العدالة والتنمية بالجزم أن المشكل مع الأمين العام لحزب الإتحاد الإشتراكي وليس مع الحزب، وبالتالي إنتفاء عملية التفريق بين الموضوع ومن يقدم الموضوع.
سابعا: غياب النظرة الإستراتيجية للتفاوض بين مختلف الفرقاء الحزبين خصوصا الأمين العام لحزب العدالة والتنمية الذي لم يقدر على التفريق بين مرحلة نجاح المفواضات وفشلها، والمرحلة التي ستتوقف عندها العملية التفاوضية.
ثامنا: ربط العملية التفاوضية بعودة الملك إلى المغرب يفرغها من أي محتوى قد يساهم في تكريس فعل سياسي جديد بعيدا عن التوجيهات الملكية، وبالتالي فإن الأحزاب السياسية المغربية لم تصل بعد إلى مرحلة إتخاذ القرار السياسي المرتبط بالحكومة بعيدا عن التشاور مع الملك، خصوصا بعد التعديلات الدستورية لسنة 2011.


إن هذه القراءة السريعة للعملية التفاوضية الجارية بين مختلف النخب الحزبية المغربية المشاركة في العملية التفاوضية لتشكيل الحكومة الجديدة، يوضح بالملموس مدى كلاسيكيتها المفرطة، والتي يتخذ فيها كل مفاوض موقف معين ويدافع عنه قدر استطاعته وقد يتمسك الأطراف بمواقفهم المتعارضة فيفشل التفاوض من الأساس، أو قد يحاولوا تقديم مجموعة من التنازلات والوصول إلى اتفاق في منتصف الطريق عن طريق اقتسام موضوع التفاوض، وهذا النوع من التفاوض بالرغم من انتشاره إلا أنه لا يساعد على الوصول إلى اتفاق يرضي الأطراف المتفاوضة، أو اتفاق طويل المدى، إذ عادة ما يشعر كل طرف أنه اضطر للتنازل، وأنه لم يحصل على ما يحقق له الفائدة المرجوة من العملية التفاوضية. كما أن هذه العملية التفاوضية الكلاسيكية تستغرق الكثير من الوقت والجهد وغالبا الموارد المالية، وكثيرا ما يؤدي إلى إفساد العلاقات المستقبلية بين طرفي التفاوض، وهو ما يفسر تأخر العملية التفاوضية الجارية حاليا بين مختلف النخب الحزبية.
إن كل هذه المعطيات توضح على وجود متغيرات حقة في المشهد السياسي الحزبي المغربي، لكنها لا تنصب في خانة الإرتقاء بالفعل السياسي للأحزاب المغربية، وأيضا للنخب الحزبية، والتي لا زالت ترتكن إلى التفاوض الكلاسيكي في عملية تشكيل الحكومة ما يأخذ جهدا ووقتا أكبر ولا يحقق النجاعة الحكومية المطلوبة.

قد يعجبك ايضا المزيد في نفس التصنيف