عاطف بكمزا للمواطن24 : اختيار ماكرون زيارة المغرب أولا أملته عودة المغرب للساحة الافريفية و دفاعا عن مصالح فرنسا بالقارة السمراء

اختار الرئيس الفرنسي الجديد ماكرون، المغرب ليكون أول بلد مغاربي يزور بعد توله رئاسة فرنسا. حول هذا الاختيار و القراءة السياسية له كان للمواطن24 حوار مع الباحث في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، عاطف بكمزا : 

 

 

المواطن 24 : ماهي أهم دلالات وأبعاد اختيار الرئيس الفرنسي لزيارة المغرب أولا في جولته المغاربية؟

عاطف بكمزا* : أولا  وجب الإشارة إلى أن إختيار الرئيس الفرنسي الجديد ماكرون زيارة المملكة المغربية في جولته المغاربية هي مسألة مستجدة في السياسية الخارجية الفرنسية، التي كانت قد دأبت منذ عهد الرئيس الفرنسي جاك شيراك على بدأ أولى الجولات الإفريقية من الجزائر، هذا العرف الذي إستمر أيضا في عهد نيكولا ساركوزي وأيضا في عهد فورنسوا هولاند قبل أن يتغير فجأة في عهد الرئيس الفرنسي الجديد ماكرون، وهذا يعتبر معطى جديد على السياسية الخارجية الفرنسية وتحدده مجموعة من المستجدات الطارئة على الساحة المغربيةومن بينها:

أولا: أن المجال الجيوستراتيجي الإفريقي قد خضع لإعادة رسم لخريطة التحالفات والتقاطبات  الإقليمية داخل القارة الإفريقية والتي كان للمغرب مؤخرا دور بارز في إعادة ترسيمها  بما يخدم مصالحها الخارجية، خصوصا في الجولات الإفريقية الطويلة التي إنخرط المغرب فيها بقوة عبر تعزيز علاقاته الاقتصادية والسياسية مع دول غرب إفريقيا ومحاولته الجادة في إختراق العمق الإفريقي الذي ظل عصيا على السياسة الخارجية الجزائرية، ونجاح المغرب في إختراق بعض الدول في العمق الإفريقي أثار إليه إنتباه الخارجية الفرنسية التي ترى المغرب بعد خطواته الإفريقية على أنه ند في المجال الجيوسياسيو الجيوإقتصادي في إفريقيا.

ثانيا: إختراق المغرب للعمق الإفريقي وتحقيق النجاحات المتتالية في هذا المجال خصوصا بعد قبول طلب إنضمامة إلى الاتحاد الافريقي وإلى المجموعة الاقتصادية لغرب إفريقيا، التي عجزت الجزائر على الإنضمام إليها في فترات سابقة، والتي تعتبر قوة إقتصادية إقليمية صاعدة ومنافسة، ودخول المغرب إليها سيهدد المصالح الجيواستراتيجية لفرنسا في منطقة غرب إفريقيا، المعروف عنها وفرة مواردها الطبيعية والاقتصادية، وأيضا سيضعف الأوراق الخارجية لكل من جنوب افريقيا والجزائر على اعتبارهما منافسين حقيقين للمغرب في المجال الافريقي.

ومن خلال هذه النقط يمكن تفسير السبب الذي يجعل قصر الإليزيه يقدم المغرب في جولته المغاربية، خصوصا بعد تراجع الجزائر إفريقيا على مستوى السياسية الخارجية وتفوق المغرب، يفسير بشكل كبير هذا التغير النوعي في ” التقليد غير المعلن”، ومن وجهة نظر موضوعية، أن السياسة الخارجية الفرنسية تتعامل بمنطق براغماتي في العلاقات الدولية خصوصا مع الدول المغاربية، بحيث أنها دائما ما تأخذ بحجم الدول على المستوى الخارجي، دون الأخذ بعين الاعتبار منطق الصداقة او التعاون الاقتصادي فيما بينهما، بقدر ما أنها تأخذ بعين الاعتبار موقع الدولة على المستوى الإقليمي والدولي.

والمغرب في  هذا الإطار قد تقدم كثيرا على المستوى الإقليمي وحقق الكثير من المكتسبات الدبلوماسية والاقتصادية والسياسية التي عليه العمل أكثر على تحصينها خصوصا في مجاله الإفريقي وفق منطق رابح_رابح.

المواطن 24 : ما هي أهم القضايا التي تشغل قيادتي البلدين والملفات المشتركة؟

عاطف بكمزا : تربط المغرب بفرنسا مجموعة من الشركات الاقتصادية والتجارية، وأيضا علاقات دبلوماسية قوية بين الدولتين، بحيث أن فرنسا تعتبر الشريك الأول للمغرب إقتصاديا، وبالتالي فسيكون هناك حضور قوي لملفات التعاون الاقتصادي بين الدولتين وهو ما دأبت عليهم الدولتين منذ كل زيارة رسمية، كما أنه سيكون هناك حضور أيضا للملفات المرتبطة بشكل كبير بهاجسي الإرهاب والأمن الجيوسياسي جنوب الصحراء، خصوصا بعد إزدياد نشاط الجماعات الإرهابية جنوب الصحراء في مالي، وتهديدها للمصالح الفرنسية هناك، والجدير بالذكر هنا أن فرنسا كانت قد تدخلت عسكريا في وقت سابق لإحقاق الأمن في شمال مالي عقب الأحداث الدامية التي عرفتها البلاد في السنوات الماضية، والمغرب من الدول الإفريقية التي راكمت تجربة مهمة وكبيرة في المجال الاستخباراتي الخاص بتكفيك الجماعات الإرهابية والحد من أنشطتها، وفي وقد كانت فرنسا طلبت بشكل رسمي في إطار إتفاقية التعاون القضائي، الاستفادة من التجربة المغربية في مجال محاربة الجماعات المتطرفة لتوظيفها على المستوى الداخلي خصوصا الحملات الإرهابية التي تعرضت لها فرنسا مؤخرا، وأيضا تطوير خبرات المخابرات الخارجية الفرنسية في هذا المجال.

ومن الملفات التي ستحضر أيضا في اللقاء الرسمي بين الدولتين، ملف ليبيا والجماعات المتطرفة وإتفاق الصخيرات، خصوصا أن فرنسا كانت مهتمة إلى حد كبير بتوصيات المؤتمر الذي قام المغرب بتنظيمه في الصخيرات والذي تباحثت فيه الوفود الليبية سبل البحث عن حلول سياسية للأزمة التي تعيشها البلاد.

المواطن 24 : كيف تقرؤون واقع وأيضا مستقبل العلاقات الثنائية في ظل الرئاسة الفرنسية الجديدة؟

عاطف بكمزا : واقع العلاقات المغربية الفرنسية يتسم بنوع من التغير خصوصا بعد تخصيص أول جولة مغاربية للمغرب، فهذا تغير ملحوظ وجذري لم نشهده منذ ما يقارب العقدين وينذر بتحول مستقبلي في العلاقات بين الدولتين خصوصا مع الأخذ بعيد الإعتبار العوامل والمحددات التي تم ذكرها أنفا والتي أثرت في هذه الزيارة المرتقبة وفي توقيتها بالتحديد.

أما فيما يتعلق بمستقبل العلاقات بين الدولتين، فمن الناحية الأكاديمية يستحيل تقديم رؤية واقعية وصحيحة لمستقبل هذه العلاقات، في ظل الرئاسة الفرنسية الجديدة، لكن يمكن تقديم قراءة نسبية لما ستؤول إليه مستقبل العلاقات الثنائية بين الدولتين وذلك انطلاقا من مجموعة من المؤشرات الواقعية.

بحيث أن فرنسا بإعتبارها الشريك الأول للمغرب على المستوى الاقتصادي والتجاري، وأيضا باعتبار أن فرنسا أصبحت تأخذ موقع المغرب جيوستراتيجيا في إفريقيا على محمل الجد وبكونه ندا حقيقيا، كما أن تقدم المغرب على مستوى مكافحة الإرهاب والجماعات المتطرفة، سيجعل الرئاسة الفرنسية أمام معطى براغماتي وحيد، وهو تقوية العلاقات الثانية أكثر بين الدولتين ومحاولة الاستفادة من التجربة المغربية في المجال الأمني والاستخباراتي المتعلق بمكافحة الجماعات المتطرفة، وضمان الحفاظ على مصالحها الإفريقية وعدم المساس بها من قبل المغرب، خصوصا المصالح الاقتصادية التي كانت فرنسا قد راكمتها منذ عقود.

والمغرب بطبيعة الحال كدولة تحاول التموقع بشكل قوي في المجال الإقليمي لن تحاول التشويش على المصالح الجيوستراتيجية لشريكه الأول على المستوى الأوروبي، وبالتالي فإن العلاقات الثنائية بين الدولتين في عهد الرئيس ماكرون الذي يحاول أن يضع نفسه في صورة فرنسا الخارجية باستكشافها يوما بعد يوم، ستكون علاقاته بالمغرب علاقة قوية ومتينة بشكل نسبي، وربما ستشهد المزيد من التعاون بين الدولتين وتوقيع اتفاقيات جديدة تحقق الاستمرارية في العلاقات الودية.

 

*باحث في العلوم السياسية والعلاقات الدولية.

قد يعجبك ايضا المزيد في نفس التصنيف