المغربي حريص على استقرار  بلده، كحرصه على حريته وكرامته

 

 

قد لا نجانب الصواب إذا أكدنا أن المغربي حريص على استقرار بلده، كحرصه على حريته وكرامته؛ كما لا نبالغ إذا قلنا أن المغاربة أكثر شعوب المنطقة حرصا على أمن وطنهم. ذلك ما يخبرنا به المؤرخون، والشيء نفسه نستشفه من مختلف الأحداث اليومية المتسارعة. لكن، هذا لا يعني الخنوع والاستسلام، أو الرضوخ لواقع التهميش، أو استرضاء الإحساس بالإهانة.

إن المغربي تواق بطبعه إلى التحرر و الانعتاق، الأمر الذي جعله   يخرج إلى ساحات وشوارع المدن، كما قاوم المستعمر _من أعالي الجبال_ من قبل، لتحرير البلد أولا ، وبناء الدولة الحديثة ثانيا.

أحداث مختلفة شهدها المغرب في الآونة الأخيرة عنوانها “النضال من أجل الحرية و الكرامة و العدالة الاجتماعية” سنة 2011 مع حركة 20 فبراير.  أجمع حينها المتتبعون على أن المغاربة أبانوا عن حس نضالي رفيع، وروح أخلاقية راقية، إذ رجَّحوا جميعا صوت الحكمة و العقل، ومنحوا “الفرصة” للدولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، قبل الانهيار الشامل.

تعالى صوت الشباب المغربي مطالبا بإسقاط الفساد ورموزه، و مصرا على ضرورة تحقيق الحرية والكرامة و العدالة الاجتماعية. مما جعل الدولة تستشعر حجم الخطر الذي يهدد الجميع إن هي تمادت في نهج سياستها القديمة، “سياسة الآذان الصماء”. فبادرت تحت ضغط الشارع، إلى القيام بإصلاحات دستورية لاحتواء الوضع، وحماية وجودها و استمرار سلطتها معلنة تمزيق الدستور القديم.

ما يعرفه المغرب حاليا تحت ما يُصطلح عليه بـ “حراك الريف” يكشف عن زيف ما حمله 2011 من وعود وردية تلاشت منذ عهد الحكومة الأولى في عهد الدستور الجديد. خمس سنوات من التدبير لم تفِ بالغرض ولم تتمكن من رفع التهميش عن مختلف المناطق المغربية. مما يجعلنا نتساءل: ما سبب الإخفاق؟ و أين يكمن الخلل؟

دعا الملك إلى صياغة دستور جديد يتماشى مع طبيعة المرحلة السياسية العصيبة التي يعرفها العالم إقليميا و دوليا.  إصلاح دستوري ساهم في تراجع نضالية شباب 20 فبراير ميدانيا على الأقل. واستبشر الجميع حينها خيرا أملا في تحقيق المطالب. لكن سرعان ما بدأ الشك يتسرب إلى قلوب وضمائر بعض القوى الديمقراطية، خاصة بعد تكليف لجنة “فوقية” للقيام بالمهمة.  شك بلغ ذروته بعد الإطلاع على مضامين وثيقة القانون الأسمى للبلاد، مما تضمُّه من تناقضات تشي بعدم الحسم في الهوية السياسة للمغرب؛ فتارة يبدو منتصرا للمواثيق الدولية لحقوق الإنسان وما يرافقه من تأسيس للحكومات العادلة المنصفة؛ وثارة أخرى يلوح بورقة الخصوصية الدينية وما يرافقها من تأويلات قد توظف لنسف كل محاولة لبناء دولة  مدنية حديثة. دولة الحق و القانون التي تكون فيها كرامة المواطن أسمى، وتكون مصلحته غاية كل المخططات و السياسات.

كل إصلاح غير مفكر فيه، سيكون مآله الفشل…

هكذا صرخت بعض الحناجر وقتئذ وعبَّرت، كما كتبت بعض الأقلام الحرة و انتقدت. أصوات وأقلام اتفقت جميعها على وصف دستور 2011 ب”ـالممنوح”!!! وسجلت حوله تحفظات شكلا ومضمونا. تصورات و مواقف يتطلع أصحابها إلى غذ أفضل من الأمس للخروج من ظلمات الفساد إلى نور العدالة الاجتماعية. تطلعات تنشد العدالة الاجتماعية والكرامة والحرية. لكنها جوبهت جميعها بالرفض و الاستهزاء من بعض أصحاب التصورات الضيقة، أو المستفيدة من الوضع القائم، فأطلقت أبشع الأوصاف على أصحاب التصور الأول، من قبيل: جماعة من العدميين الغوغائيين هدفهم  إثارة الفتنة وزعزعة الاستقرار.

التاريخ يعيد نفسه، لكن بشكل مختلف…

ينزل التاريخ بالنسبة للشعوب منزلة العقل بالنسبة للفرد. فإذا كان من المستحيل على هذا الأخير صناعة مشروعه الشخصي دون الاعتماد على العقل كأداة للتفكير؛ فإن الاستحالة هي نصيب كل شعب يريد التقدم و بناء الديمقراطية في استغناء تام عن تأمل تاريخه للاستفادة من دروسه، لكي لا يكرر نفس الأخطاء.

تماشيا مع هذه الأهمية التي يكتسيها استقراء التاريخ، سنشير اختصارا إلى بعض أحداثه؛  وسنكتفي بإمعان النظر في لحظة مفصلية من تاريخ المغرب الراهن، وهي لحظة 2011 اعتبارا لما حملته  من طموحات وآمال. آمال التغيير، وطموح محاربة الفساد، و رغبة القطع مع آليات العهد البائد؛ وما رافقه من ضرب لحقوق الإنسان الاجتماعية والثقافية و الاقتصادية بطرق عدة… ليتسنى لنا الانخراط بشكل صريح في مغرب العهد الجديد؛ مغرب الحرية و الكرامة و العدالة الاجتماعية.

كل مغربي يطمح إلى رؤية بلده يتقدم ويزدهر، وذلك لن يتحقق إلا ببناء دولة الحق و القانون، دولة مدنية، تجعل الإنسان محور اهتمامها، تنظر إلى السلطة كآلية لتدبير الشأن العام، و ليس غاية تجعل الكل يخدم مصلحتها. دولة مبنية على العقل وليس على الانفعالات و الأهواء.

لكن، ما يعرفه المغرب حاليا تحت ما يُصطلح عليه بـ “حراك الريف” يكشف عن زيف ما حمله 2011 من وعود وردية تلاشت منذ عهد الحكومة الأولى في عهد الدستور الجديد. خمس سنوات من التدبير لم تفِ بالغرض ولم تتمكن من رفع التهميش عن مختلف المناطق المغربية. مما يجعلنا نتساءل: ما سبب الإخفاق؟ و أين يكمن الخلل؟

خلل يرتبط ببنية الدولة نفسها، إذ _يبدو_ أنها لم تستوعب بعد حتمية الانتقال الديمقراطي _الذي طال انتظاره_، انتقال يفترض ضرورة تغيير الأسس التي تنبني عليها _الدولة_ من مكر و خداع و تسلط، إلى دولة تتأسس على الحق و القانون، دولة تمارس السلطة بشكل عقلاني وليس استجابة لنزوات  ومصالح ضيقة لمسؤول من المسؤوليين.

ويمكن الجزم أيضا أن الخلل يرتبط بعدم النضج السياسي والثقافي للأحزاب وبعض رجالات الدولة، للانخراط في قطار التحديث لكي لا تقع الكارثة. لكن للأسف، لم يتحقق ما يطمح إليه الشعب مما جعل شريحة كبيرة تصاب بالإحباط، وتعمق لديها الجرح أكثر. وما مقتل محسن فكري و تواصل الاحتجاجات لأزيد من ستة أشهر في الريف؛ قبل أن تلتحق باقي المدن المغربية وبعض عواصم أوربا؛ إلا شجرة تخفي وراءها غابة السخط و التذمر الذي يخنق نفوس عموم الفئات المسحوقة.  وغني عن البيان أن الدولة تتحمل جزء كبير من المسؤولية في عدم الإنصات لنبض الشارع، وما يعتمل في نفوس المواطنين.

يجب على الدولة تغليب منطق الحوار، و تحكيم صوت العقل و الحكمة، و التفكير جديا في حلول ناجعة متقدمة، بدل الحل الأمني المتجاوز لكي لا تتطور الأحداث إلى ما لا تحمد عقباه. كما يجب عليها تحقيق انتقال ديمقراطي سلمي نحو دولة الحق و القانون، نحو دولة مدنية، تحُث فاعليها السياسيين ونفسها على الابتعاد عن تسخير الدين لخدمة أغراض سياسية.  هذا من جهة، أما من جهة أخرى، فيجب على الدولة الاستفادة من التاريخ لكي لا تكرر نفس الأخطاء في تعاطيها مع المطالب الشعبية. فالرسالة وصلت بكل تأكيد من الشعب المغربي بشكل عام، ومن الحراك الريفي بشكل خاص. فالمرجو أن تحسن الدولة قراءتها للأحداث قبل فوات الأوان.  وأن تفكر في التعاطي الجدي مع المطالب الاجتماعية و الاقتصادية و الثقافية و الحقوقية لعموم المواطن، بعيدا عن منطق تسخير لجان فاقد للثقة و الشرعية للالتفاف حول المطالب المشروعة للشعب.

قد يعجبك ايضا المزيد في نفس التصنيف