الدكتورمراد بنيعيش في رسالة جديدة للملك و الحكومة : أنقذ الريف يا أمير المؤمنين !

 

يجب أن يكون المرء أحمقا وقاسيا لكي يعتقد أن الحق ليس فضيلة إذا لم يكن في صفه

جوزيف إديسون

مما لا ريب فيه أن المغرب يمر بمرحلة حرجة في تاريخه المعاصر، مرحلة أقل ما يمكن أن توصف بأنها حرجة للغاية، وقد تحمل في طياتها ما قد لا تحمد عقباه. كنا نظن أن حقبة ما بعد 1999 قج وضعت قطيعة نهائية مع مرحلة قاتمة من تاريخ المغرب إبان حكم الحسن الثاني، خاصة بعد أن أعلن وريث عرشه الملك محمد السادس إنشاء هيئة للإنصاف والمصالحة التي استبشر بها المغاربة خيرا. لن أسهب كثيرا في التوطئة، وسأدخل مباشرة في صلب الموضوع الذي هو حديث الساحة المغربية في الآونة الأخيرة. هذه الأحداث أبانت عن كثير من الشروخات دتخل الجسم الاجتماعي المغربي بين مؤيد ومعارض لما صار يعرف بحراك الريف. وأتوجه بخطابي التحليلي هذا على وجه الخصوص إلى ملك المغرب ورئيس الحكومة المغربية وقيادات الأحزاب المغربية.

إن الحراك الذي قام به أبناء منطقة الريف عموما، وأبناء مدينة الحسيمة خصوصا، لا يعدو أن يكون عملا مشروعا يدخل في نطاق ممارسة حقهم المشروع في المطالبة بإصلاحات جذرية من شأنها النهوض التي عانت الأمرين لا لشيء سوى بسبب إسقاطات تاريخية واستعمارية ليس المجال للخوض فيها هنا. لكن المريب في الأمر كله هو السكوت المطبق الذي انغمست فيه كل المؤسسات السياسية المغربية باستثناء المؤسسة الأمنية، يوازيه سيلان حقير لأقلام الدولة المأجورة وأجهزتها الصحفية بمختلف ألوانها. سكوت وغياب فاجأ كل المتتبعين للحراك سواء داخل المملكة المغربية أو خارجها، ومازلنا جميعا ننتظر من سيأخذ المبادرة من المسؤولين لكسر حاجز الصمت.

سأكون صريحا وواقعيا، وسأنطلق من مقتضيات الدستور المغربي الذي ينص صراحة بأن ملك المغرب له صلاحيات عدة، منها على سبيل المثال لا الحصر، ضمان العمل بفصول القانون والسهر على استتباب الأمن والاستقرار في المملكة وحمايتها من الأخطار الخارجية والداخلية، تحت طائلة إقالة كل من قصر في القيام بالمهام المنوطة به وفي خدمة المواطن المغربي ولما فيه خير للصالح العام. وبالتالي، وبناء على التقارير التي ترفع إلى الملك بشكل يومي حول الحالة العامة في البلاد، أكاد أجزم بأن العاهل المغربي على اطلاع تام بما يجري من خلال متابعته لسير الأحداث، وأتساءل باستغراب شديد عن عدم توجهه بخطاب للشعب المغربي ليقول فيه أي شيء يمكنه طمأنة الشارع المغربي الذي لم يفقد ثقته في المؤسسة الملكية بعد، وأيضا أتساءل عن سبب عدم إقالته لرؤوس الفساد المالي والسياسي الذين لم يزيدوا فتيل الحراك إلا شرارة قد تأتي على الأخضر واليابس؟ نعم يا ملك المغرب، هؤلاء المسؤولون الذين بعثتهم إلى مدينة الحسيمة لا يتمتعون بأدنى مصداقية لدى الشارع المغربي قاطبة وليس فقط ساكنة الريف. لقد سئم المغاربة من نفس الوجوه التي اغتنت على حساب المواطنين ولا يهمها الصالح العام بأي حال من الأحوال، وكنت كما العديد من المغاربة أنتظر أن يعين الملك وجوها شابة تخبر نبض الشارع المغربي وإكراهاته المعيشية، وتعي أيضا حجم المسؤولية السياسية تجاه من منحوهم أصواتهم، لكن أبى الملك إلا أن يسقط نفس الأشخاص الذين مافتؤوا يرون في المناصب السياسية امتيازا أكثر منه تكليفا. وهذا يا ملك البلاد هو أس المشاكل كلها. كما أتساءل كيف لم تتم إقالة رئيس الحكومة بعد نعته للجماهير الريفية المغربية الأبية بالانفصاليين رغم أنهم لم يطالبوا سوى بحقهم المشروع في العيش الكريم والاستفادة من ثروات المغرب التي ينهبها من أسندت إليهم أمور الشأن السياسي والاقتصادي المغربي؟

إنني أناشدك يا ملك البلاد أولا أن تلغي ظهير العسكرة الذي عمر أكثر من اللازم، وأن تصدر ظهيرا تلغي بموجبه هذا ظهير 1958 الذي يرزح تحته سكان مدينة الحسيمة من دون زجه حق والذي تمتطيه الأجهزة الأمنية بمختلف تلاوينها لمخالفة فصول القوانين المعمول بها في المملكة. كما أناشدك أيضا أن تعجل بمحاسبة كل المتورطين من المسؤولين في تدهور الأحداث في الريف والضرب بيد من حديد على كل من استهتر بمصالح المواطنين المغاربة. كما أناشدك بإقالة الحكومة وحل البرلمان وهما هيئتان سياسيتان ابانا عن فشل ذريع في التعاطي مع حراك الريف من خلال إما تسريب تصريحات من شأنها تأجيج الوضع الذي هو أصلا على صفيح ساخن أو من خلال تبني مقاربة “كم من أمور قضيناها بتركها”. فالوضع يا ملك البلاد لم يعد يستحمل أكثر من هذا ووجب التسريع بإنزال رزمة من الإصلاحات الجذرية على كيفية تعاطي الدولة المركزية مع مطالب الشعب المغربي قاطبة. وبما أنك يا ملك البلاد رئيس المجلس الأعلى للأمن، أرجو أن تعطي أوامرك لإعادة النظر في المنظومة الأمنية التي تنتهجها الأجهزة المغربية التي نقدرها ونحترمها، لكنها تتجاوز حدود ما يسطره القانون.

يا ملك البلاد، إن الآليات التي تستعملها الحكومة قد تم تجاوزها وهي بعيدة كل البعد عن مبدأي “دولة الحق والقانون” و”ربط المسؤولية بالمحاسبة”. إن المقاربة الأمنية التي تنتهجها وزارة الداخلية والإدارة العامة للأمن الوطني تعيد إلى الذاكرة أحداث طانطان لسنة 1972 والأحداث المأساوية لسنة 1984. لقد توجهت إلى الشعب عند اعتلائك العرش وقررت بناء مغربي جديد مبني على المصالحة الوطنية وبناء مغرب جديد على أسس ديمقراطية. وأنت تتذكر جيدا ما درسه لنا أستاذنا جميعا المرحوم الدكتور عبد الرحمن القادري في مادة القانون الدستوري حول أسس الديمقراطية، وأتمنى خالصا أن تفعلها لأنه قد آن أوانها، وأن تقطع دابر كل مخالف لمبادئ الدولة الحديثة. فزمن الدولة البوليسية قد ولى وثبت فشله. وأؤكد لك بأنك في نظر كل المغاربة هو مخلصهم من الطغمة المتجبرة والمتحكمة في مصيرهم، وأن تسهر شخصيا على توزيع متساو للثروة التي يستفيد منها فقط محيطك ومن عينمتهم بظهائر شريفة، وأكثرهم لا علاقة لهم بالشرف ولا يستحقون تلك الظهائر.

أما فيما يخص خطابي لك يا رئيس الحكومة، فأظن أن كلامي سيكون مضيعة للوقت والجهد لأنك مع كامل الأسف فاقد للأهلية السياسية وللكاريزما المطلوبة لقيادة دفة الحكم، وما نعتك لأبناء الريف الشرفاء بالانفصاليين سوى دليل على عدم تبصرك ومحاولة يائسة منك لما كنت تظنه إرضاء لمن منحك المظلة لتصبح بين عشية وضحاها رئيسا لحكومة دولة شعبها أبي وشهم ولا يقبل بدمى تسير شانه. لو احترمت نفسك ومنصبك لقدمت استقالتك من الحكومة لتبين صدق نواياك، لكنك متشبث بالكرسي وبالتالي تنافي خطاب العقل والدين معا. إن من مهامك يا رئيس الحكومة أن تسهر على تنفيذ القوانين، وقد أديت القسم أمام الملك وأمام الشعب لتسهر على ذلك. لم يا ترى تلبس نظارات سوداء تحجب عنك واقعا تريد أنت والجهاز التحكمي في الحكومة أن تزوروه في أعين الشعب.

كان حريا بك يا رئيس الحكومة أن تستقل أول طائرة وتذهب إلى الحسيمة وتحاور قيادات الحراك. الآن وقد تم تجاوزك وتم اعتقالهم، من ستحاور سا ترى؟ هل تعلم يا سياسي يا محنك بأن غياب قيادة الحراك سوف يؤدي حتما إلى نتائج عكسية؟ لقد صنعتم من قيادات الحراك شهداء قضية، وصار الأمر أكثر تعقيدا وحرجا لكم الآن. سوف يضغط الشارع لإطلاق سراحهم وستجبر على الجلوس إلى الطاولة، وصراحة ستكون في وضع لن تحسد عليه. أضف يا رئيس الحكومة، لماذا لم تتحمل مسؤوليتك الأخلاقية وتزجر المنابر الإعلامية ةتأمرها بالكف عن نشر أكاذيب وتلفيق تهم لنشطاء حراك الريف؟ هل نسيت عندما كنت أنت ورفاقك في حزبكم ضحايا نفس الأساليبالتي تمارسها الآن؟ هل هو انتقام أم ليس لك حيلة في الأمر؟ هل لنا أن نعتبر كشعب أن مؤسسة رئاسة الحكومة هي في الواقع متجاوزة ولا يضرب لها أدنى اعتبار؟ لأن واضع الحال يا دكتور يؤكد هذا الطرح، ومن يدعي خلاف الواقع أن يثبت العكس.

أما فيما يخص المنتخبين سواء كانوا نوابا في البرلمان أو مجالس الجهات أو المجالس المحلية ومعهم جميعا الأحزاب السياسية، فمع كامل الأسف أبنتم عن خنوع وضعف في التعاطي مع حراك الريف. أخلفتم وعودكم الانتخابية وأخللتم بالعقد المعنوي والأخلاقي الذي يربطكم بمن وثقوا في برامجكم الوردية. أين هو التأطير السياسي للمواطن الذي هو من أسس ومرتكزات العمل الحزبي؟ لماذا لم تشرحوا للمغاربة بأن الوطنية لا تختزل في الهتاف بحياة الملك وحمل الأعلام الوطنية بل هي أعمق بكثير من بروباغاندا سياسية لا تخدم سوى هرم السلطة؟ لماذا لم تشرحوا للمغاربة بأن الجهر بالحق ومواجهة الباطل هما من مرتكزات الوطنية الحقة؟ ألم تتعلموا من الديمقراطيات التي تزورونها بشكل دائم؟ لماذا تحاولون إقناعنا بأننا أحسن حالا من رواندا وبوروندي وتخفون عنا أننا أسوأ من الجارة إسبانيا؟ ألا تخجلون من أنفسكم بالله عليكم؟ لقد فقدتم مصداقيتكم منذ أمد بعيد، والآن ثبتت بما لا يدع مجالا للشك بأن مدة صلاحيتكم قد انتهت، وبكل سذاجة سياسية، أنتم من دق لآخر مسمار في نعش العمل الحزبي والسياسي في المغرب.

لن أتوجه إلى المحسوبين على العمل الصحفي، رغم تواجد بعض الأشراف بينهم، ولن أعطيهم أكثر من حجمهم القزم جدا. لكن، تأكدوا بأن التاريخ سوف يحاسبكم على متاجرتكم في مآسي الريف وعلى التشهير بأشخاص لم يثبت القضاء التهم الموجهة إليهم. ومن كان منكم ذا صفحة بيضاء فليواجهني. لستم أشرف الخلق، وويلاتكم ولياليكم الحمراء يعرفها القاصي والداني، فلا تلعبوا ورقة “المنقذ من الضلال” والشرف، لأنك علاقتكم بالشرف كعلاقتي باللغة الهيروغليفية بالضبط. ونغس الكلام أوجهه لمن يدعون أنهم محللين سياسيين، وهم بالكاد مرتزقة مال وأبواق لأجندات سياسية مخزنية جعلت منكم كراكيز وسلبتكم أعز ما يملك المرء: نخوة الرجال.

أود فقط أن أرد على من يعترض على رفع راية الريف. هل تعلمون أن تلك الراية تمثل هوية المنطقة ورفعها لا يعني بأي شكل من الأشكال نية الانفصال. هل تعلمون بأن اعتماد الجهوية الموسعة كنظام سياسي سيجعل تلك الراية ترفرف فوق المباني الحكومية؟ إن أبناء الريف لا يطالبون بالانفصال يا قوم، إنهم فقط يريدون عيشا كريما، هل هذا جريمة؟ هل هذا كثير في حق أبناء منطقة تواطأ عليها من هب ودب لا لشيء سوى لأنهم جهروا بكلمة حق في وجه الفساد.

ختاما، نحن جميعا مغاربة يجمعنا وطن واحد ومصير واحد، ولن نسمح للفاسدين أن يفرقوا هذا الشعب. نريد الالتفاف حول مؤسسة ملكية قوية ومتحملة لمسؤلياتها تجاه الشعب المغربي، وسأكون أول المطالبين برأس كل من سولت له نفسه أن يفرق هذا الشعب. تذكروا يا سادة أن التاريخ لن يغفر لنا ما نقوم به، وأن الله سبحانه وتعالى سوق يسائلنا يوما عن هذا الخنوع البشع والمقزز الذي وصلنا إليه.

إما أن نعيش أحرارا أو نموت أبطالا.. انتهى

قد يعجبك ايضا المزيد في نفس التصنيف