الآباء .. هؤلاء الأبطال….الأبوة فن لا تُعلمه الكتب !

في هذا العالم ، يوجد مغامر وحيد .. هو الأب .. مقولة عميقة للكاتب و الفيلسوف شارلز بيغو
الأبوة ، أجمل الأشياء المهداة للرجل بشكل عام ، مغامرة مليئة بالإثارة ، و لكنها في القرن الواحد و العشرين مغامرة شاقة ، غير مأمونة العواقب ، حيث يحلم الأب بحضور أثر في حياة أسرته ، و التواجد بشكل مستمر في تربية الأبناء ، غير أن متطلبات الحياة ، و الإكراهات الإقتصادية الحالية ، تحول بينه و بين آماله ، فبين التنقل كل صباح إلى مقر العمل ، و الكد من أجل لقمة العيش و البحث عن الإكتفاء الذاتي الذي يحفظ الكرامة ، لا يجد الآباء إلا وقتا قصيرا من أجل قضائه رفقة أطفالهم ، و مساعدتهم على إنجاز واجباتهم المنزلية .
حسب إحصائية قامت بها وزارة الأسرة الفرنسية ، تبين أن الأب الفرنسي مثلا لا يقضي رفقة أبنائه إلا 19 دقيقة كمعدل عام سنة 2016 ، صحيح أنه رقم يبقى مرتفعا عن معدل سنة 1999 ( 11 دقيقة ) و سنة 1978 ( 8 دقائق ) إلا أنه يبقى رقما ضئيلا مقارنة بالخمس و أربعين دقيقة التي تقضيها الأمهات العاملات مع الأطفال ، بالرغم من قضائهن اليوم كله في العمل أيضا.
يعتبر الأب في حقيقة الأمر أيقونة الأسرة ، يجمع بين الحزم و الحنان ، و تحمل المسؤولية ، حتى في حالة خروج الأم إلى العمل ، في داخله يشعر الأب بثقل المسؤواية الملقاة على عاتقه ، من أجل ذلك فإن الكثير من الآباء ، يفضلون دور المدير في المنزل ، و لكنهم بينهم و بين أنفسهم ، يحلمون بلعب دور الأب الصديق الناصح ، الذي يجعل حياة أبنائه يسيرة ، تلك الصورة المثالية التي تجعل الأب نبراسا من الأحاسيس .. و هو الأمر الذي يشبه صورة الأب القديم مع تغيرات ملحوظة ، حين كان الأب قائد المنزل و ملكا ، بأوامر شبه إلهية حول ما يدور فيه ، و لا يُفعل في داخله و لا خارجه شيء إلا بإذنه ، و لكن الأمور تغيرت بخروج المرأة إلى العمل و حقوق المساواة التي أقرتها أوروبا بعد ذلك .

الأبوة بالنسبة لي قبل كل شيء هي أن يشرح الأب العالم لأطفاله ، و يسهر على تربيتهم بشكل صحيح وفق الأخلاق الفاضلة و احترام الآخر ، أن يعمل على تسليحهم فكريا من أجل مجابهة الحياة الخارجية بكل ثقة ، دون أن ننسى تذكيره أن والده سيكون دائما هنا بجانبه من أجل مساعدته ، يجب على الأب أن يكون أيقونة للأمان و السكينة داخل المنزل ، و من تم ، يكون دور الآمرالناهي مستساغا للأطفال و الزوجة ، يكفي فقط أن يحسوا أنك هنا من أجلهم و أنك باب موصد أمام كل العواصف الخارجية

يتطلع الكثير من الرجال الفرنسيين إلى صورة أخرى من الأبوة ، حيث يكون فيها الأب صارما ، و لكنه يبقى محبوبا ، آمرا ، لكنه في أعلى درجات الإقتراب من أبنائه و أفراد أسرته .. حيث يكون باستطاعة الأب التدخل في منزله و مجرياته ، بطريقة تجعل الأسرة تتقبلها بصدر رحب و قلب سليم ، آمرا و لكنه في نفس الوقت منفتح على الآخر يشرح له وجهة نظره للأمور ، و كيف أنه إذا نهاه عن شيء فإنه لمصلحته الشخصية أولا ، و لمصلحة الأسرة كافة . هذا الدور المثالي للأبوة ، يبقى نظريا فقط ، يحد من تطبيقه الإنفتاح الشامل للأسرة على العالم الخارجي من خلال الأنترنت و مواقع التواصل الإجتماعي ، و الميديا بشكل عام .
يقول أرنو بوتي ، أحد الآباء المستجوبين و عمره 43 سنة و هو أب لخمسة أطفال : حينما يقل الإحترام الواجب بالأب في المنزل تبدأ المشاكل ، الأبوة بالنسبة لي قبل كل شيء هي أن يشرح الأب العالم لأطفاله ، و يسهر على تربيتهم بشكل صحيح وفق الأخلاق الفاضلة و احترام الآخر ، أن يعمل على تسليحهم فكريا من أجل مجابهة الحياة الخارجية بكل ثقة ، دون أن ننسى تذكيره أن والده سيكون دائما هنا بجانبه من أجل مساعدته ، يجب على الأب أن يكون أيقونة للأمان و السكينة داخل المنزل ، و من تم ، يكون دور الآمرالناهي مستساغا للأطفال و الزوجة ، يكفي فقط أن يحسوا أنك هنا من أجلهم و أنك باب موصد أمام كل العواصف الخارجية ، و يجب على الأب أن يكون مربيا ، و مدربا ، أن يرتقي بأفراد أسرته إلى أعلى نقطة ممكنة، أن يكون شخصا قادرا على الإفصاح عن مشاعره تجاه أفراد أسرته دائما و لا يجد في ذلك حرجا ، هذه العواطف و الأحاسيس هي لبنات البيت التي تجعله يحف بالسعادة و الفرح .. أعرف آباء يعانون من هذه المشكلة ، تنعقد ألسنتهم أمام زوجاتهم و أبنائهم ، في الوقت الذي يكون فيه فصيحا خطيبا خارجه . الإحساس بالحب شيء جميل ، يجب على الكل أن يتمتع به و يتنعم به داخل البيت ، فمثلا لا أجد حرجا أن أقول لابني الذي يبلغ الثانية عشرة من عمره : أحبك يا بني ، صحيح أنها كلمة ثقيلة على من لم يتعود الإفصاح بها ، و لكنها تفعل العجب في الطفل ، كلمة واحدة قادرة على اختزال آلاف الجمل ، و مساعدتك في إيصال الكثير مما تريد قوله لابنك .
الأبوة شيء رائع ، و لكنه فن لا تُعلمه الكتب ، و إلا لكان كل الآباء آباء أسوياء رائعين ، و كنا نعيش داخل مدينة فاضلة و هو أمر بعيد كل البعد عما نعيشه اليوم ، فنسبة كبيرة من الآباء يعيشون في متاهة حقيقة ، بين مطرقة العمل خارج المنزل ، و سندان البعد عن الأسرة ، يفتقرون هم أنفسهم إلى تربية سليمة و إلى جزء كبير من الأمان الذي افتقدون لسبب أو لآخر في مرحلة صغرهم و هكذا يدخلون بشكل مباشر في مرتبة فقر داخلي ، في الحين الذي يتوجب عليهم نقله و بناءه في أطفالهم ، فينتج عن ذلك أجيال مشوهة متوارثة .
بعد فشل في العمل في مرحلة من حياته ، أصبح أرنو بوتي عاطلا عن العمل ، فالتحق خلال شهور بحثه عن وظيفة جديدة ، بجمعية فرسان كولومب ، التي تأسست في الولايات المتحدة الأمريكية في 1880 ميلادية ، و تضم مليوني منخرج في شتى أنحاء العالم ، دور هذه الجمعية ، هو مساعدة الكنيسة في خدمة الناس ، و الأعمال الخيرية و التطوعية : يقول أرنو : لقد وجدت في هذه الجمعية ما كنت أبحث عنه ، تعرفت إلى آباء كثر الشيء الذي جعلني أتبادل خبرات كثيرة ، و أتعلم أشياء مفيدة عن التعامل مع الأطفال و أفراد الأسرة .
إن الإحساس بالأمان و صورة المرشد التي تترسخ في ذهن أفراد الأسرة شيء أساسي في نمو سليم لها ، من المهم جدا أن يلعب كل أب دوره في الأسرة ، و يعلم أنه عماد لتلك الأسرة ، فالأبوة ليست فقط علاقة دم و تناسل ، بل هي علاقة حب وود غير مشروطين و أمان و تضحية و التزام ، الأبوة ، هي علاقة أبدية ، منذ اكتشاف اختبار الحمل الإيجابي ، و تدوم بدوام بقاء الأب و الأبناء على قيد الحياة ..

عن جريدة لوفيغارو بتصرف

قد يعجبك ايضا المزيد في نفس التصنيف